فصل: تفسير الآية رقم (232):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (230):

{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)}
{فَإِن طَلَّقَهَا} فإن تعقيبه للخلع بعد ذكر الطلقتين يقتضي أن يكون طلقة رابعة لو كان الخلع طلاقًا، والأظهر أنه طلاق وإليه ذهب أصحابنا وهو قول للشافعية لأنه فرقة باختيار الزوج فهو كالطلاق بالعوض فحينئذٍ يكون {فَإِن طَلَّقَهَا} متعلقًا بقوله سبحانه: {الطلاق مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] تفسيرًا لقوله تعالى: {أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان} لا متعلقًا بآية الخلع ليلزم المحذور، ويكون ذكر الخلع اعتراضًا لبيان أن الطلاق يقع مجانًا تارة وبعوض أخرى، والمعنى فإن طلقها بعد الثنتين أو بعد الطلاق الموصوف بما تقدم. {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ} أي من بعد ذلك التطليق {حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} أي تتزوّج زوجًا غيره، ويجامعها فلا يكفي مجرد العقد كما ذهب إليه ابن المسيب وخطؤه لأن العقد فهم من {زوجًا}، والجماع من {تنكح}، وبتقدير عدم الفهم، وحمل النكاح على العقد تكون الآية مطلقة إلا أن السنة قيدتها فقد أخرج الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وجماعة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» وعن عكرمة أن هذه الآية نزلت في هذه المرأة واسمها عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك وكان نزل فيها {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} فيجامعها فإن طلقها بعدما جامعها فلا جناح عليهما أن يتراجعا، وفي ذلك دلالة على أن الناكح الثاني لابد أن يكون زوجًا فلو كانت أمة وطلقت ألبتة ثم وطئها سيدها لا تحل للأول. وعلى أنه لو اشتراها الزوج من سيدها أو وهبها سيدها له بعد أن بت طلاقها لم يحل له وطؤها في الصورتين لك اليمين حتى تنكح زوجًا غيره وعلى أنّ الولي ليس شرطًا في النكاح لأنه أضاف العقد إليها، والحكمة في هذا الحكم ردع الزوج عن التسرع إلى الطلاق لأنه إذا علم أنه إذا بت الطلاق لا تحل له حتى يجامعها رجل آخر. ولعله عدوه ارتدع عن أن يطلقها ألبتة لأنه وإن كان جائزًا شرعًا لكن تنفر عنه الطباع وتأباه غيرة الرجال.
والنكاح بشرط التحليل فاسد عند مالك وأحمد والثوري والظاهرية وكثيرين، واستدلوا على ذلك بما أخرجه ابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له».
وأخرج عبد الرزاق عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «لا أوتي حلل ولا محلل له إلا رجمتهما»، والبيهقي عن سليمان بن يسار «أن عثمان رضي الله تعالى عنه رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحللها لزوجها ففرق بينهما، وقال: لا ترجع إليه إلا بنكاح رغبة غير دلسة»، وعندنا هو مكروه والحديث لا يدل على عدم صحة النكاح لما أن المنع عن العقد لا يدل على فساده، وفي تسمية ذلك محللًا ما يقتضي الصحة لأنها سبب الحل، وحمل بعضهم الحديث على من اتخذه تكسبًا أو على ما إذا شرط التحليل في صلب العقد لا على من أضمر ذلك في نفسه فإنه ليس بتلك المرتبة بل قيل: إن فاعل ذلك مأجور.
{فَإِن طَلَّقَهَا} الزوج الثاني {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي على الزوج الأول والمرأة {أَن يَتَرَاجَعَا} أن يرجع كل منهما إلى صاحبه بالزواج بعد مضي العدة {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله} إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية التي حدها الله تعالى وشرعها وتفسير الظن بالعلم هاهنا قيل: غير صحيح لفظًا ومعنى، أما معنى فلأنه لا يعلم ما في المستقبل يقينًا في الأكثر، وأما لفظًا فلأن (إن المصدرية للتوقع وهو ينافي العلم، ورد بأن المستقبل قد يعلم ويتيقن في بعض الأمور وهو يكفي للصحة، وبأن سيبويه أجاز وهو شيخ العربية ما علمت إلا أن يقوم زيد والمخالف له فيه أبو علي الفارسي، ولا يخفى أن الاعتراض الأول فيما نحن فيه مما لا يجدي نفعًا لأن المستقبل وإن كان قد يعلم في بعض الأمور إلا أن ما هنا ليس كذلك وليس المراجعة مربوطة بالعلم بل الظن يكفي فيها {وَتِلْكَ} إشارة إلى الأحكام المذكورة إلى هنا {حُدُودَ الله} أي أحكامه المعينة المحمية من التعرض لها بالتغيير والمخالفة {يُبَيّنُهَا} بهذا البيان اللائق، أو سيبينها بناءًا على أن بعضها يلحقه زيادة كشف في الكتاب والسنة، والجملة خبر على رأي من يجوّزه في مثل ذلك، أو حال من {حُدُودَ الله} والعالم معنى الإشارة، وقرئ {نبينها} بالنون على الالتفات {يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي يفهمون ويعملون قتضى العلم فهو للتحريض على العمل كما قيل أو لأنهم المنتفعون بالبيان، أو لأن ما سيلحق بعض الحدود منه لا يعقله إلا الراسخون، أو ليخرج غير المكلفين.

.تفسير الآية رقم (231):

{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ عْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ عْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231)}
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي آخر عدتهن فهو مجاز من قبيل استعمال الكل في الجزء إن قلنا: إن الأجل حقيقة في جميع المدة كما يفهمه كلام الصحاح وهو الدائر في كلام الفقهاء، ونقل الأزهري عن الليث يدل على أنه حقيقة في الجزء الأخير، وكلا الاستعمالين ثابت في الكتاب الكريم، فإن كان من باب الاشتراك فذاك وإلا فالتجوّز من الكل إلى الجزء الأخير أقوى من العكس والبلوغ في الأصل الوصول وقد يقال للدنوّ منه وهو المراد في الآية وهو إمّا من مجاز المشارفة أو الاستعارة تشبيهًا للمتقارب الوقوع بالواقع ليصح أن يرتب عليه.
{فَأَمْسِكُوهُنَّ عْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ عْرُوفٍ} إذ لا إمساك بعد انقضاء الأجل لأنها حينئذٍ غير زوجة له ولا في عدّته فلا سبيل له عليها والإمساك مجاز عن المراجعة لأنها سببه والتسريح عنى الإطلاق وهو مجاز عن الترك، والمعنى فراجعوهن من غير ضرار أو خلوهن حتى تنقضي عدّتهنّ من غير تطويل، وهذا إعادة للحكم في صورة بلوغهنّ أجلهنّ اعتناءًا لشأنه ومبالغة في إيجاب المحافظة عليه، ومن الناس من حمل الإمساك بالمعروف على عقد النكاح وتجديده مع حسن المعاشرة والتسريح بالمعروف على ترك العضل عن التزوّج بآخر، وحينئذٍ لا حاجة إلى القول بالمجاز في {بَلَغْنَ} ولا يخفى بعده عن سبب النزول، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي أنّ رجلًا من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق زوجته حتى إذا انقضت عدّتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها ثم طلقها ففعل ذلك بها حتى مضت لها تسعة أشهر يضارها فأنزل الله تعالى هذه الآية {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا} تأكيد للأمر بالإمساك بالمعروف وتوضيح لمعناه وهو أدل منه على الدوام والثبات؛ وأصرح في الزجر عما كانوا يتعاطونه، و{ضرارًا} نصب على العلية أو الحالية أي لا ترجعوهن للمضارّة أو مضارين، ومتعلق النهي القيد واللام في قوله تعالى: {لّتَعْتَدُواْ} متعلق بـ {ضِرَارًا} أي لتظلموهن بالإلجاء إلى الافتداء، واعترض بأن الضرار ظلم والاعتداء مثله فيؤول إلى: ولا تمسكوهن ظلما لتظلموا وهو كما ترى، وأجيب بأنّ المراد بالضرار تطويل المدة وبالاعتداء الإلجاء، فكأنه قيل: لا تمسكوهنّ بالتطويل لتلجئوهنّ إلى الاختلاع والظلم قد يقصد ليؤدّي إلى ظلم آخر، والمشهور أن هذا الوجه متعين على الوجه الأوّل في {ضِرَارًا} ولا يجوز عليه أن يكون هذا علة لما كان هو له إذ المفعول له لا يتعدّد إلا بالعطف، أو على البدل وهو غير ممكن لاختلاف الإعراب ويجوز أن يكون كذلك على الوجه الثاني، وجوّز تعلقه بالفعل مطلقًا إذا جعلت اللام للعاقبة، ولا ضرر في تعدّي الفعل إلى علة وعاقبة لاختلافهما وإن كانت اللام حقيقة فيهما على رأي.
{وَمَن يَفْعَلْ ذلك} المذكور وما فيه من البعد للإيذان ببعد منزلته في الشر والفساد {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} بتعريضها للعذاب، أو بأن فوّت على نفسه منافع الدين من الثواب الحاصل على حسن المعاشرة، ومنافع الدنيا من عدم رغبة النساء به بعد لاشتهاره بهذا الفعل القبيح {وَلاَ تَتَّخِذُواْ ءايات الله} المنطوية على الأحكام المذكورة في أمر النساء أو جميع آياته وهذه داخلة فيها {هُزُوًا} مهزوءًا بها بأن تعرضوا عنها، وتتهاونوا في المحافظة عليها لقلة اكتراثكم بالنساء وعدم مبالاتكم بهن، وهذا نهي أريد به الأمر بضده، أي جدّوا في الأخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها. وأخرج ابن أبي عمرة وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: كان الرجل يطلق ثم يقول: لعبت ويعتق، ثم يقول: لعبت فنزلت، وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث هزلهنّ جد النكاح والطلاق والرجعة» وعن أبي الدرداء: «ثلاث اللاعب فيها كالجاد، النكاح والطلاق والعتاق» وعن عمر رضي الله تعالى عنه: «أربع مقفلات النذر والطلاق والعتق والنكاح».
{واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ} أي قابلوها بالشكر والقيام بحقوقها والنعمة إمّا عامة فعطف {وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم} عليها من عطف الخاص على العام، وإمّا أن تخص بالإسلام ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وخصا بالذكر ليناسب ما سبقه، وليدل على أن ما كانوا عليه من الإمساك إضرارًا من سنن الجاهلية المخالفة، كأنه لما قيل: جدّوا في العمل بالآيات على طريق الكناية أكد ذلك بأنه شكر النعمة فقوموا بحقه، ويكون العطف تأكيدًا على تأكيد لأن الإسلام ونبوّة محمد صلى الله عليه وسلم يشملان إنزال الكتاب والسنة وهو قريب من عطف التفسير ولا بأس أن يسمى عطف التقرير، قيل: ولو عمم النعمة لم يحسن موقعه هذا الحسن، ولا يخفى أنه في حيز المنع، والظرف الأوّل متعلق حذوف وقع حالًا من نعمة أو صفة لها على رأي من يجوّز حذف الموصول مع بعض الصلة، ويجوز أن يتعلق بنفسها إن أريد بها الإنعام لأنها اسم مصدر كنبات من أنبت ولا يقدح في عمله تاء التأنيث لأنه مبني عليها كما في قوله:
فلولا رجاء النصر منك وهيبة ** عقابك قد كانوا لنا كالموارد

والظرف الثاني متعلق بما عنده وأتى به تنبيهًا للمأمورين وتشريفًا لهم، و{مَا} موصولة حذف عائدها من الصلة، و{مِنْ} في قوله تعالى: {مّنَ الكتاب والحكمة} بيانية، والمراد بهما القرآن الجامع للعنوانين، أو القرآن والسنة، والإفراد بالذكر بعد الاندراج في المذكور إظهارًا للفضل وإيماءًا إلى أن الشرف وصل إلى غاية لا يمكن معها الاندراج، وذاك من قبيل:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ** فإن المسك بعض دم الغزال

{يَعِظُكُمْ بِهِ} أي: بما أنزل حال من فاعل {أَنَزلَ} أو من مفعوله، أو منهما معًا، وجوّز أن يكون {مَا} مبتدأ وهذه الجملة خبره و{مّنَ الكتاب} حال من العائد المحذوف، وقيل: الجملة معترضة للترغيب والتعليل.
{واتقوا الله} في أوامره والقيام بحقوقه {واعلموا أَنَّ الله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} فلا يخفى عليه شيء مما تأتون وما تذرون فليحذر من جزائه وعقابه، أو أنه عليم بكل شيء فلا يأمر إلا بما فيه الحكمة والمصلحة فلا تخالفوه، وفي هذا العطف ما يؤكد الأوامر والأحكام السابقة، وليس هذا من التأكيد المقتضي للفصل، لأنه ليس إعادة لمفهوم المؤكد ولا متحدًا معه.

.تفسير الآية رقم (232):

{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232)}
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي انقضت عدتهن كما يدل عليه السياق. {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أزواجهن} أي لا تمنعوهن ذلك، وأصل العضل الحبس والتضييق، ومنه عضلت الدجاجة بالتشديد إذا نشبت بيضتها ولم تخرج، والفعل مثلث العين، واختلف في الخطاب فقيل واختاره الإمام أنه للأزواج المطلقين حيث كانوا يعضلون مطلقاتهم بعد مضي العدة ولا يدعونهن يتزوجن ظلمًا وقسرًا لحمية الجاهلية، وقد يكون ذلك بأن يدس إلى من يخطبهن ما يخيفه أو ينسب إليهن ما ينفر الرجل من الرغبة فيهن، وعليه يحمل الأزواج على من يردن أن يتزوجنه، والعرب كثيرًا ما تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه، وقيل واختاره القاضي إنه للأولياء فقد أخرج البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داود وخلق كثير من طرق شتى عن معقل بن يسار قال: «كانت لي أخت فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة، ولم يراجعها حتى انقضت العدة فهويها وهوته ثم خطبها مع الخطاب فقلت له: يا لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع إليك أبدًا وكان رجلًا لا بأس به وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فعلم الله تعالى حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله تعالى هذه الآية، قال: ففي نزلت فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه» وفي لفظ «فلما سمعها معقل قال: سمعًا لربي وطاعة ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك» وعليه يحمل الأزواج على الذين كانوا أزواجًا وخطاب التطليق حينئذٍ إما أن يتوجه لما توجه له هذا الخطاب ويكون نسبة التطليق للأولياء باعتبار التسبب كما ينبئ عنه التصدي للعضل، وإما أن يبقى على ظاهره للأزواج المطلقين ويتحمل تشتيت الضمائر اتكالًا على ظهور المعنى، وقيل: واختاره الزمخشري إنه لجميع الناس فيتناول عضل الأزواج والأولياء جميعًا، ويسلم من انتشار ضميري الخطاب والتفريق بين الإسنادين مع المطابقة لسبب النزول، وفيه تهويل أمر العضل بأن من حق الأولياء أن لا يحوموا حوله وحق الناس كافة أن ينصروا المظلوم، وجعل بعضهم الخطابات السابقة كذلك، وذكر أن المباشرة لتوقفها على الشروط العقلية والشرعية توزعت بحسبها كما إذا قيل لجماعة معدودة أو غير محصورة: أدوا الزكاة وزوجوا الأكفاء وامنعوا الظلمة كان الكل مخاطبين والتوزع على ما مر، هذا وليس في الآية على أي وجه حملت دليل على أنه ليس للمرأة أن تزوج نفسها كما وهم ونهي الأولياء عن العضل ليس لتوقف صحة النكاح على رضاهم بل لدفع الضرر عنهن لأنهن وإن قدرن على تزويج أنفسهن شرعًا لكنهن يحترزن عن ذلك مخافة اللوم والقطيعة أو مخافة البطش بهن، وفي إسناد النكاح إليهن إيماء إلى عدم التوقف وإلا لزم المجاز وهو خلاف الظاهر، وجوز في أن {ينكحن} وجهان: الأول: أنه بدل اشتمال من الضمير المنصوب قبله.
والثاني: أن يكون على إسقاط الخافض والمحل إما نصب أو جر على اختلاف الرأيين.
{إِذَا تراضوا} ظرف للا تعضلوا والتذكير باعتبار التغليب والتقييد به لأنه المعتاد لا لتجويز المنع قبل تمام التراضي، وقيل ظرف لأن ينكحن. وقوله تعالى: {بَيْنَهُمْ} ظرف للتراضي مفيد لرسوخه واستحكامه {بالمعروف} أي بما لا يكون مستنكرًا شرعًا ومروءة، والباء إما متعلقة حذوف وقع حالًا من فاعل {تراضوا} أو نعتًا لمصدر محذوف أي تراضيًا كائنًا بالمعروف وإما بتراضوا أو بينكحن؛ وفي التقييد بذلك إشعار بأن المنع من التزوج بغير كفء أو بما دون مهر المثل ليس من باب العضل {ذلك} إشارة إلى ما فصل والخطاب للجمع على تأويل القبيل أو لكل واحد واحد أو أن الكاف تدل على خطاب قطع فيه النظر عن المخاطب وحدة وتذكيرًا وغيرهما. والمقصود الدلالة على حضور المشار إليه عند من خوطب للفرق بين الحاضر والمنقضي الغائب أو للرسول صلى الله عليه وسلم ليطابق ما في سورة الطلاق، وفيه إيذان بأن المشار إليه أمر لا يكاد يتصوره كل أحد بل لابد لتصور ذلك من مؤيد من عند الله تعالى.
{يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بالله واليوم الاخر} خصه بالذكر لأنه المسارع إلى الامتثال إجلالًا لله تعالى وخوفًا من عقابه، و{مّنكُمْ} إما متعلق بكان على رأي من يرى ذلك وإما حذوف وقع حالًا من فاعل {يُؤْمِنُ} {ذلكم} أي الاتعاظ به والعمل قتضاه {أزكى لَكُمْ} أي أعظم بركة ونفعًا {وَأَطْهَرُ} أي أكثر تطهيرًا من دنس الآثام، وحذف لكم اكتفاءً بما في سابقه، وقيل: إن المراد أطهر لكم ولهم لما يخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة بينهما {والله يَعْلَمُ} ما فيه من المصلحة {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك فلا رأي إلا الاتباع، ويحتمل تعميم المفعول في الموضعين ويدخل فيه المذكور دخولًا أوليًا وفائدة الجملة الحث على الامتثال.